رينيه ويليك وَكتابه تاريخ للنقد الحَديث 1750 ـ 1950 (إلى حسام الخطيب)
مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 134 حزيران 1982
مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 134 حزيران 1982
مجلة الآداب الاجنبية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 94 ربيع 1998
لقد تحددت خصائص الأطوار الثلاثة الأولى من البحث الشكلي بإيجاز كما يلي: (1)تحليل وجوه الصوت في الأثر الأدبي؛ (2)مشكلات المعنى ضمن إطار الشعرية أو نظرية الأدب الداخلية Poetics (3)دمج الصوت والمعنى في كُلِّ غير قابل للانفصال.وخلال هذا الطور الأخير كان مفهوم السائد Dominant the مثمراً على نحو خاص.كان واحداً من أكثر المفاهيم خطورة،وتطوراً،وإنتاجية في النظرية الشكلية الروسية. ويمكن أن يُعرّف السائد بأنه المكوِّنُ المركز لأثر فني: إنه يحكم، ويُحدَّد، ويُحول المكوِّنات الأخرى. والسائد هو ما يضمن وحدة البنية.
إن السائد يخصص الأثر. ومن الواضح أن الصفة المحدِّدة للّغة المقيَّدة هي نسقها النثري، شكلها الشعري، وقد يبدو هذا ببساطة تحصيل حاصل الشعر شعر.ولكن ينبغي أن نستحضر في الذهن باستمرار أن العنصر الذي يُحدِّد تنويعةً معطاةً من اللغة يسودُ البنية كلها، وبالتالي يقوم بمهمة مكوَّنها الإلزامي المخصوص، سائداً جميع العناصر الباقية وممارساً تأثيراً مباشراً فيها. والشعر بدوره ليس مفهوماً بسيطاً، وليس وحدة قابلة للتقسيم. الشعر ذاته نظام للقيم؛ وله، كما هو الشأن في أي نظام للقيم، هرمه الخاص به من القيم المتفوقة والمتدنية، وقيمة واحدة رئيسية، هي القيمة السائدة التي لا يمكن دونها للشعر(ضمن إطار فترة أدبية معطاة، واتجاه فني معطى)أن يُتَصوَّر و يُقَوَّم على أنه شعر. فعلى سبيل المثال لم تكن علامة الشعر التي لا يُنازَع فيها في الشعر التشيكي في القرن الرابع عشر المخطط المقطعي، وإنما القافية؛ حيث وجدت قصائد ذات عدد غير متساو من المقاطع في البيت(اصطلح على تسميتها بالأشعار الخالية من المقياس)وتُصُوِّرَت-مع ذلك-على أنها أشعار. في حين إن الأشعار غير المقفاة لم تكن مقبولة أثناء تلك الفترة. ومن ناحية أخرى كانت القافية في الشعر الواقعي التشيكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقنية يمكن الاستغناء عنها، في حين كان المخطط المقطعي مكوِّناً إلزامياً غير منازَع، ودونه لم يكن الشعر شعراً؛ ومن وجهة نظر تلك المدرسة حُكِمَ على الشعر الحر بأنه اضطراب غير مقبول. وبالنسبة لتشيكي اليوم الذي نشأ على الشعر الحر الحديث، لا القافية ولا النسق المقطعي لا زمان للشعر، وبدلاً من ذلك يتألف المكوِّن الإلزامي من الوحدة التنغيمية-التنغيم يغدو سائدَ الشعر. وإذا ما كان لنا أن نقارن الشعر الموزون النظامي لشعر الـAlexandreis التشيكي القديم، والشعر المقفى للفترة الواقعية، والشعر الموزون المقفى للعصر الحاضر، فإننا سنلاحظ، في الحالات الثلاث جميعها، العناصر نفسها-القافية، والمخطط المقطعي والوحدة التنغيمية-ولكن هرمية مختلفة من القيم، عناصرمختلفة محددة إلزامية لا غنى عنها. إن هذه العناصر المحددة ذاتها هي بالضبط التي تحدِّد دورَ المكوِّنات الأخرى وبُنيتها.
وقد نلمس السائد ليس فقط في الأثر الشعري لفنان فرد، وليس فقط في القانون الشعري، أي في مجموعة معايير مدرسة شعرية معينة، وإنما في فن حقبة معينة منظور إليها على أنها كُلٌّ محدَّد. فعلى سبيل المثال، من البيّن في عصر النهضة أن سائداً كهذا، أن ذروة كهذه من المعايير الجمالية للعصر، قد مثلتهما الفنون البصرية. وأن الفنون الأخرى نفسها قد وُجِّهَت نحو الفنون البصرية، وقُوِّمت تبعاً لدرجة قربها من هذه الأخيرة. ومن ناحية أخرى، كانت القيمة العليا في الفن الرومنتي تُعزى للموسيقى. وهكذا وُجِّه الشعر الرومنتي نفسه نحو الموسيقى: فبيته مركزاً موسيقياً، وتنغيمه الشعري يحاكي اللحن الموسيقي. إن هذا التركيز على سائد خارج في الحقيقة عن العمل الشعري يُغَيّر على نحو ملموس بنية القصيدة، فيما يتصل بالنسيج الصوتي، والبنية التركيبية، والصور؛ إنه يعدّل معايير القصيدة الوزنية والمقطعية Stnophic وتأليفها. وفي الجماليات الواقعية كان السائد هو الفن اللفظي، وقد عُدِّلت هرمية القيم الشعرية تبعاً لذلك.
وأكثر من هذا، فإن تعريف الأثر الفني، بالمقارنة مع مجموعات أخرى من القيم الثقافية، يتغير على نحو ملموس بمجرد أن يغدو مفهوم السائد نقطة انطلاقنا. فالصلة، على سبيل المثال، مابين عمل شعري ورسائل لفظية أخرى تكتسب تحديداً أكثر دقة. فمعادلة عمل شعري بوظيفة جمالية، أو، على نحو أكثر دقة، بوظيفة شعرية-بمقدار تعاملنا مع مادة لفظية- خصيصة لتلك العصور التي تنادي بفن صاف مكتف بذاته، الفن من أجل الفن “l’art pour l’art” . وفي الخطوات الأولى للمدرسة الشكلية، كان لا يزال ممكناً ملاحظةُ آثار مميزة لمعادلةٍ كهذه. ولكن هذه المعادلة خاطئة دون شك: فالعمل الشعري ليس مقصوراً على الوظيفة الجمالية وحدها، ولكن له، بالإضافة إلى ذلك، وظائف أخرى كثيرة. والواقع أن مقاصد العمل الشعري غالباً ما تكون وثيقة الصلة بالفلسفة، وفن التعليم الاجتماعي وغيرهما، ومثلما لا يُستغرَقُ العمل الشعري بالوظيفة الجمالية، فإن الوظيفة الجمالية، وعلى نحو مماثل، ليست مقصورة على الأعمال الشعرية؛ فكلمة الخطيب، والمحادثة اليومية، والمقالات الصحفية، والإعلانات، والرسالة العلمية، جميعها قد يوظف اعتبارات جمالية، ويُعبِّر عن وظيفة جمالية، ويستخدم في الغالب كلمات بذاتها، ومن أجل ذاتها، وليس بوصفها مجرد وسيلة إشارية.
وفي معارضة مباشرة لوجهة النظر الأحادية الصريحة،(توجد) وجهة النظر الآلية التي تتبين تعددية وظائف العمل الشعري وتُقَوِّم ذاك العمل، بمعرفة أو على نحو غير مقصود، بوصفه تكتلاً من الوظائف. ولأن للعمل الشعري وظيفة إشارية أيضاً، فإنه يُعَدّ أحياناً من جانب أتباعُ وجهة النظر الأخيرة وثيقة صريحة للتاريخ الثقافي، أو الصلات الاجتماعية، أو السيرة. ومقابل الأحادية الوحيدة الجانب، والتعددية الوحيدة الجانب، يوجد هناك وجهة نظر تجمع، إلى الوعي بالوظائف المتعددة للعمل الشعري، استيعاباً لوحدته؛ وبعبارة أخرى، تلك الوظيفة التي توحّد العمل الشعري وتحدّده. إن العمل الشعري من وجهة النظر هذه لا يمكن أن يعرّف بأنه عمل يؤدي وظيفة جمالية خالصة ولا وظيفة جمالية مصاحبة لوظائف أخرى؛ إن العمل الشعري يُعرَّف بالأحرى بأنه رسالة لفظية وظيفتها الجمالية هي السائدة فيها. وبالطبع فإن العلامات المعلنة عن إنجاز الوظيفة الجمالية ليست غير قابلة للتغير، أو موحَّدة دائماً. فكل قانون شعري مجسّد، وكل مجموعة من المعايير الشعرية الزمنية، تتضمن على أي حال عناصر متميزة لا غنى عنها، لا يمكن دونها تحديد هوية العمل بأنه عمل شعري.
ويسمح تعريف الوظيفة الجمالية، بأنها السائد في العمل الشعري، لنا بتحديد هرمية الوظائف اللغوية المتنوعة ضمن العمل الشعري. ففي الوظيفة الإشاريةrefrential ، يكون للعلاقة صلة داخلية دنيا بالشيء المعيّن بها، ولذا فإن العلاقة في حد ذاتها لا تحمل إلا أهمية دُنيا فقط؛ ومن ناحية أخرى فإن الوظيفة التعبيرية expressive تتطلب صلة أكثر مباشرة وحميمية بين العلامة والشيء، وبالتالي انتباهاً أكبر للبنية الداخلية للعلامة. وبالمقارنة مع اللغة الإشارية، فإن اللغة الانفعالية emotive language التي تؤدي بشكل رئيسي وظيفة تعبيرية، وكقاعدة، أقربُ إلى اللغة الشعرية(التي تُوجَّه نحو العلامة بوصفها علامة). وغالباً ما تتداخل اللغة الشعرية واللغة الانفعالية فيما بينهما، ولذا فإن هذين الشكلين من أشكال اللغة غالباً مايجري تماهيهما على نحو خاطئ تماماً. وإذا ما كانت الوظيفة الجمالية هي السائدة في رسالة لفظية، فإن هذه الرسالة عندئذ يمكن أن تستخدم بالتأكيد العديد من وسائل اللغة التعبيرية، ولكن هذه المكونات تكون عندئذ خاضعة للوظيفة المحددة للعمل، وتتحوّل بفعل سائده.
لقد كان للبحث في السائد نتائج هامة بالنسبة لآراء الشكليين في التطور الأدبي. ففي تطور الشكل الشعري ليست القضية قضية اختفاء عناصر معينة وانبثاق عناصر أخرى بمقدار ما هي قضية تحولات في الصلات المتبادلة ما بين المكونات المتنوعة للنظام، وبعبارة أخرى بمقدار ماهي قضية السائد المتحول. فضمن مُرَكبَّ معطى من المعايير الشعرية بشكل عام، أو ضمن مجموعة المعايير الشعرية الصالحة لجنس شعري معين بشكل خاص، تغدو العناصر- التي كانت أصلاً ثانوية- أساسية ورئيسية. ومن ناحية أخرى، فإن العناصر، التي كانت أصلاً العناصر السائدة، تصبح فرعية واختيارية. وفي الأعمال المبكرة لشكلوفسكيSklovoskij عُرِّف العمل الشعري بأنه جملة وسائله الفنيةartistic devices ، بينما بدا التطور الشعري ليس أكثر من استبدال لوسائل معينة. ومع التطور اللاحق للشكلية، نشأ التصور الصحيح للعمل الشعري بوصفه نظاماً بنيوياً، أو مجموعة هرمية من الوسائل الفنية المحكومة بشكل منتظم. والتطور الشعري هو تحول في الهرمية. فهرمية الوسائل الفنية تتغير ضمن إطار جنس شعري معطى، وأكثر من هذا، فإن التغير يؤثر في هرمية الأجناس الأدبية، و-على نحو متزامن-في توزيع الوسائل الفنية ضمن الأجناس المفردة. فالأجناس التي كانت أصلاً طرقاً ثانوية، تنويعات جانبية، تتقدم الآن إلى الأمام، في حين تُدفَع الأجناس المعترف بها إلى الخلف. إن أعمالاُ شكلية عديدة تتناول الفترات المفردة للتاريخ الأدبي الروسي من وجهة النظر هذه ففوكوفسكيGukovskij يحلل تطور الشعر في القرن الثامن عشر؛ وتينيانوفTynjanov وآيخنباومEjxenbaum ، متبوعين بعدد من تلاميذهما، يتفحصان تطور الشعر والنثر الروسيين خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ وفيكتور فينوغرادوفViktor Vinogradov يدرس تطور النثر الروسي مبتدئاً بغوغول، وآيخنباوم يعالج تطور نثر تولستوي تجاه أرضية النثرين الروسي والأدبي المعاصرين. وتتغير صورة التاريخ الأدبي الروسي على نحو ملموس؛ إنها تغدو، وعلى نحو لا يمكن مقارنته، أغنى، وفي الوقت ذاته، أكثر توحداً، وأكثر تركيبية، وتنظيماً، من الـmembra disjecta للبحث الأدبي السابق.
وعلى أي حال، فإن مشكلات التطور ليست مقصورة على التاريخ الأدبي. إذ تنشأ كذلك مسائل متصلة بالتغيرات في الصلات المتبادلة بين الفنون المفردة، وتمحيص المناطق الانتقالية هنا مثمر على نحو خاص؛ تحليل المنطقة الانتقالية بين الرسم و الشعر مثل الرسم التوضيحيillustration ، أو تحليل منطقة الحدود بين الموسيقى والشعر مثل الرومانسromanace, على سبيل المثال .
وأخيراً تنشأ مشكلات التغيير في الصلات المتبادلة بين الفنون والميادين الثقافية المتصلة بها على نحو وثيق، وخاصة مايتعلق بالصلات المتبادلة بين الأدب والأنواع الأخرى للرسائل اللفظية. وعدم استقرار الحدود، والتغيير في مضمون الميادين الفردية ومداها، متوِّازن على نحو خاص هنا. وتتمتع الأجناس الانتقالية بأهمية خاصة بالنسبة للمختصين. فأجناس كهذه في فترات معينة تُقوَّم على أنها فوق -أدبية extra-literay وفوق -شعريةextra-poetic،في حين إنها في فترات أخرى قد تؤدي وظيفة أدبية مهمة لأنها تشتمل على تلك العناصر التي يوشك أن يؤكد الأدب بمعناه الفني belles-lettres،بينما تكون الأشكال الأدبية المعترف بها محرومة من هذه العناصر. وأمثال الأجناس الانتقالية هذه هي، على سبيل المثال، الأشكال المختلفة للأدب الحميمLittérature intime-الرسائل، اليوميات، كتب الملاحظات، ومحاضرات الرحلات المصورة travelogues والتي تؤدي، في فترات معينة، (على سبيل المثال في الأدب الروسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر) وظيفة هامة ضمن المُركَّب الكلي للقيم الأدبية.
وبكلمات أخرى، إن التحولات المستمرة في نظام القيم الفنية تنطوي على تحولات مستمرة في تقويم الظواهر المختلفة للنص. فذاك الذي، من وجهة نظر النظام القديم، استُخِفّ به، أو حُكِمَ عليه بأنه غير كامل، أو هاو، أو شاذ غير مألوف، أو بكل بساطة خاطئ؛ أو ذاك الذي عُدَّ بدعةً، أو منحطاً، أو عديم القيمة، قد يظهر، ويُتَخذ قيمة إيجابية، من منظور نظام جديد. فأشعار الشاعرين الغنائيين الرومنتيين يتوتشيفTjutcev وفِتْ fet انتقدت من جانب النقاد الواقعيين لأخطائها ولا مبالاتها المزعومة وهكذا. وتورغينيف، الذي نشر هذه القصائد، صحح بشكل شامل إيقاعها وأسلوبها بغرض تحسنها وجعلها ملائمة للمعيار القائم. وغدا تحرير editing تورغينيف لهذه القصائد النسخة المعترف بها، ولم تُعَد النصوص الأصلية إلى وضعها السابق، وتردّ مكانتها إليها، ويعترف بها على أنها خطوة مبدئية نحو مفهوم جديد للشكل الشعري، إلا في العصور الحديثة. وفقيه اللغة التشيكي ج، كرالj.kral رفض شعر إربنErben وتشيلاكوفسكي celakovsky لأنه خاطئ ومهَلهْل من وجهة نظر المدرسة الواقعية في الشعر، في حين إن العصر الحديث يمدح في هذه الأشعار، وبالتحديد، بسبب تلك القسمات التي أُدينت من أجلها باسم القانون الواقعي. وأعمال المؤلف الموسيقي الروسي العظيم موسورغسكي Musorgskij لم تتماثل مع متطلبات التوزيع الموسيقي المعمول به في أواخر القرن التاسع عشر، وأستاذ التقنية التأليفية المعاصر، ريمسكي-كورساكوف kimskij-korsakov عدّلها تبعاً للذوق السائد لعصره؛ ولكن الجيل الجديد روّج القيم-الفتح التي وفّرها “اللاصقل” لدى موسورغسكي وغيبتها إلى حين تصحيحات ريمسكي-كورساكوف، وأزاح بالطبع إعادة اللمسات تلك من مؤلفات مثل بوريس غورونوفBoris Godunov .
لقد غدا الانتقال، التحول، في الصلة بين المكوِّنات الفنية الفردية، القضية المركزية في التفحصات الشكلية. ولهذا الوجه من التحليل الشكلي في ميادين اللغة الشعرية أهمية رياديّة بالنسبة للبحث اللغوي عامة، لأنه يقدم حوافز مهمة لتجاوز الفجوة بين المنهج التاريخي التطوري والمنهج الآني لقطاع عرضي زمني ورومها. لقد كان البحثُ الشكليُ هو الذي دلّل بشكل واضح على أن التحول والتغيير ليسا فقط بيانَيْن تاريخيين (كان هناك “أ” أولاً، وبعدها نشأت ” أ-ا ” في مكان “أ”)، بل إن التحول كذلك ظاهرة آنية معاشة على نحو مباشر، وقيمة فنية ذات صلة. إن لدى قارئ القصيدة، أو مُشاهد اللوحة، وعياً حيّاً بنظامين: القانون التقليدي، والجدة الفنية، بوصفها انحرافاً عن ذاك القانون. ومقابل أرضية التراث تحديداً يتم تصوّر الجديد. لقد وضّحت الدراسات الشكلية أن هذا الحفظ للتراث، والانفصال عنه، المتزامنين، يشكلان جوهر كل عمل فني جديد.
(1) أنظر :Roman Jakopson, “the Dominant” in his language in Literature Edited by k.pomorsk and S.rudy (Harvard University press,Cambridge,Ma.and Landon,1987) “pp.41-6.”
مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العددان 193 و 194 أيار وحزيران 1987
جريدة الأسبوع الأدبي العدد 957 تاريخ 14/5/2005
جريدة الأسبوع الأدبي العدد 946 تاريخ 26/2/2005
مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 321 كانون الثاني 1998
جريدة الأسبوع الأدبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
جريدة الأسبوع الأدبي العدد 682 تاريخ 30/10/1999
مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 121 أيار 1981
مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد، 433 أيار 2007، ص ص 6-13
ربما كانت المدرسة السلافية في نظر بعض دارسي الأدب المقارن مجرد صفحة مطوّية من تاريخ الدرس المقارن أكثر من كونها اليوم تجربة فاعلة ومؤثرة في ممارسات هذا الدرس في روسيا الاتحادية ودول أوروبة الشرقية التي كانت تنضوي في السابق تحت مظلة المعسكر الاشتراكي الذي ضم الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو، والذي انفرط عقده في العقد الأخير من القرن العشرين. غير أنها مهمة غاية الأهمية بالنسبة للقارئ العربي:
1 . لأنها تشغل حيزاً مهماً من فسحة تفاعل التقليدين الأدبي والنقدي العربيين مع التقليدين الأدبي والنقدي في الاتحاد السوفيتي بشكل عام وفي بلدان أوربة الشرقية بشكل خاص؛
2. ولأن عدداً لا بأس به من المقارنين العرب ولا سيما في سورية ولبنان والعراق ومصر قد تخرج في الجامعات السوفيتية ونهل وعلّ من معين هذه المدرسة، وكتب رسائل جامعية، وألف بعدها كتباً جامعية، وكتباً قصد بها القارئ العام استلهمت جميعها أفكار هذه المدرسة، بل ربما سعت إلى التدليل عليها؛
3. ولأنها تمثل ثقلاً معرفياً في الدرس المقارن للأدب يمكن الإفادة منه في تعديل الإسراف الأوربي والأمريكي في التمركز حول الذات الغربية والذي طالما شكا منه الدرس المقارن للأدب ولا يزال؛
4. وفضلاً عما تقدم، فإن الإفادة من التجارب المختلفة في الدرس المقارن، سواء أكانت قديمة أم حديثة، واستيعاب ما تنطوي عليه من مؤشرات إيجابية خير ما يبدأ به المرء في مسعاه الجاد لتطوير طريقة في الدرس المقارن تنطلق من طبيعة أدبه القومي من جهة وتستطيع من جهة أخرى أن تتدبّر تجارب هذا الأدب في التفاعل مع الآداب القومية الأخرى، في إطار المنظور الشامل لآداب عالمنا المعاصر الذي أدركته نعمة العولمة، أو نقمتها، تبعاً للموقف المتخذ من هذه الأخيرة، وبالتالي فإن في تفحص هذه المدرسة فائدة كبيرة للتجربة العربية في الدرس المقارن، ولا سيما أنها عنيت بآداب الضواحي من جهة، والآداب الشفوية من جهة أخرى، والآداب المهمشة ـ آداب الأقليات ـ من جهة ثالثة، وأنها متحت من تجارب غنية في التفاعل بين الآداب البعيدة عن آداب العالم الغربي التي ألفها القارئ العربي وفتن بها ظناً منه أنها تمثل الذروة، بل المثال والمآل.
أسماء عديدة والمسمى واحد
ونعت هذه المدرسة بـ السلافية إنما كان نسبة إلى اللغات السلافونية والشعوب الناطقة بها في بلدان المعسكر الاشتراكي، وبالتالي نسبة إلى لغات معظم منظّريها التي أفصحوا فيها عن آرائهم في الدرس المقارن للآداب القومية المختلفة التي انضوت تحت لواء النظام الاشتراكي.
أما نعتها بـ الاشتراكية فمرده إلى النظام السياسي والاقتصادي الذي ساد مجتمعات هذه البلدان فطبع مختلف وجوه حياة هذه المجتمعات بما فيها إنتاجها الأدبي والفني والتفكير في هذا الإنتاج.
وأما صفة الماركسية فإنها تعود إلى الفلسفة التي تحكم تفكير منظّريها في سائر البلدان الاشتراكية.
وأما صفة السوفياتية فهي من قبيل إطلاق الجزء على الكل، ولا سيما أن منظري الاتحاد السوفياتي كانوا يؤدون دوراً قيادياً في مختلف وجوه حياة مجتمعات البلدان الاشتراكية، بل ربما كان هذا الدور دوراً محدداً بفعل سلطان الدولة العظمى التي تقف وراءه.
وأما صفة النمطية 1 أوالطوبولوجية أو التيبولوجية أو Typological فإنما جاءت من طبيعة الدرس المقارن الذي يتبناه أنصار هذه المدرسة عندما يعنون بشكل خاص بضروب المشابهات بين الآداب.
ويبقى نعت المادية الجدلية، أو الجدلية المادية الذي أتاها من الفلسفة المادية الجدلية التي تحكم أنظار هذه المدرسة ولا سيما أنها الفلسفة الوحيدة المعتمدة من المؤسسة السياسية الحاكمة في مجتمعات تلك البلدان التي أسلمت أمورها جميعاً إلى الحزب الواحد الذي يحكم بأمره وهو الحزب الشيوعي أو الاشتراكي في كل منها.
المدرسة السلافية والدرس المقارن للأدب
تستلهم المدرسة السلافية في الدرس المقارن للأدب الفلسفة الماركسية في تدبّرها للمشابهات الملاحظة بين الآداب القومية المختلفة، فتردها إلى المشابهات القائمة بين البنى التحتية المنتجة لهذه الآداب. ذلك أن التشابه في مراحل تطور المجتمعات الذي ينطوي على تشابه فيما بينها في البنى الاقتصادية لا بد أن يؤدي، في عرف أتباع هذه المدرسة، إلى تشابه في مكوّنات البنى الفوقية والتي يشكل الأدب واحداً من أهمها. وبالتالي فإن أي تشابه يلحظه الدارس المقارن بين عملين أدبيين ينتميان إلى أدبين قوميين مختلفين، يمكن ردّه إلى التشابه الموجود بين البنيتين للمجتمعين اللذين أنتجا هذين العملين، وليس من الضرورة أن تكون بينهما أية صلة مباشرة أو غير مباشرة، لأن البنى التحتية المتشابهة تفرز بالضرورة بنى فوقية متشابهة، وهذا التشابه هو سر المشابهات التي نقع عليها بين الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى آداب قومية مختلفة بصرف النظر عن أية علاقة قد تقوم فيما بين هذه الآداب.
ومعنى هذا أن المدرسة السلافية تستند في تفسيرها للمشابهات التي تلاحظ بين مختلف الآداب القومية إلى الفهم المادي للتاريخ الإنساني وقوانين تطوره. ولما كان الأدب بوصفه فناً جميلاً، جزءاً من البنية الفوقية لأي مجتمع إنساني، يتحدّد بالقاعدة المادية لذلك المجتمع، فإن المشابهات بين الآداب يمكن أن تردّ إلى جذورها في البنى التحتية للمجتمعات التي تنتجها، اعتماداً على ما تقوله وحدة عملية التطور الاجتماعي ـ التاريخي للبشرية. يكتب فيكتور مكسيموفيتش جيرمونسكي، أبرز منظري الدرس المقارن في جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، موضحاً هذه المقدمة الأساسية في الدرس المقارن كما يراه أنصار هذه المدرسة:
“تعد وحدة عملية التطور الاجتماعي ـ التاريخي للبشرية المقدمة الأساسية لعلم الأدب المقارن؛ وتشترط هذه الوحدة بدورها وحدة التطور الأدبي بوصفه إحدى البنى الأيديولوجية الفوقية. ومثلما تشف العلاقات الاجتماعية ـ السياسية المشروطة بحالة قوى الإنتاج وعلاقاته عن خصائص متماثلة نمطياً Typology في أقصى أوربا الغربية، وفي آسيا الوسطى في عصر الإقطاع مثلاً، ينبغي أن يشف الفن ـ بوصفه معرفة للواقع في صور ـ عن أوجه تشابه مهمة عند مختلف الشعوب في مراحل تطورها المتماثلة. وليس مصادفة أن تظهر تيارات أيديولوجية واتجاهات أدبية مثل الرينيسانس والباروك والكلاسيكية والنهضوية البورجوازية والرومانسية والواقعية الانتقادية والطبيعية والرمزية.. في البلاد الأوربية كأطوار متعاقبة ضمن وحدة عملية التطور التاريخي والتاريخي ـ الأدبي، دون أن ينفي قانون التعاقب هذا وجود خصائص محلية معينة تميز التطور التاريخي القومي لكل بلد على حدة وذلك على أرضية الحركة التاريخية الشاملة” 2.
وبعبارة أخرى إن التأثير الخارجي، الذي ينسب إليه أنصار المدرسة الفرنسية عادة الدور الأكبر في المشابهات بين الآداب القومية المختلفة، لم تعد له تلك الأهمية بالنسبة لأنصار المدرسة السلافية، بل إن هذا الدور غدا محكوماً في نظرهم بتطور المجتمع المنتج للأدب.
وثانية يكتب جيرمونسكي موضحاً الشرط الاجتماعي الذي يحكم التأثير الخارجي فيقول:
“لا يمكن لأي تأثير ذي أهمية أن يكون مصادفة أو دفعة آلية من خارج، أو واقعة ميدانية في سيرة خاصة بأحد الأدباء، أو في سير عدد منهم، أو نتيجة تعارف بالمصادفة مع كتاب جديد، أو انجرافاً وراء أنموذجات أو تيارات أدبية تمثل السائد mode الأدبي. فالأدب ـ مثله مثل الأشكال الأيديولوجية الأخرى ـ يتشكل قبل كل شيء، على أساس تجربة اجتماعية محددة بوصفه انعكاساً للواقع الاجتماعي وأداة لإعادة بنائه. لذا فإن إمكانية التأثير ذاتها مشروطة في بعض جوانبها بالقوانين الطبيعية لتطور مجتمع معين وأدب معين، على اعتبار الأدب أيديولوجيا اجتماعية تتولد في إطار واقع محدد تاريخياً.
إن أي تأثير هو أمر ممكن تاريخياً، لكنه مشروط اجتماعياً، فلكي يصبح التأثير ممكناً يجب أن تكون ظروف البلد المتأثر أو المستقبل مهيأة، ومشابهة (في الأفكار والأخلاق والموضوعات والصور) للاتجاهات المؤثرة” 3.
وعلى أي حال يلخص جيرمونسكي وجهة نظر علم الأدب المقارن الماركسي في مسألة التأثير من خلال النقاط التالية:
1. “يمكن أن يكون التشابه بين الظواهر الأدبية، ولا سيما التشابهات ذات الطابع العام كالتشابه بين الاتجاهات أو الأنواع الأدبية أو المبادئ الجمالية أو التوجهات الأيديولوجية الذي تتكشف عنه آداب مختلفة في وقت واحد قائماً على مقدمات اجتماعية تاريخية واحدة في مرحلة واحدة من مراحل التطور أو على التشابه في الواقع الاجتماعي وفي أيديولوجية طبقة اجتماعية في حالة تاريخية معينة، هذا الضرب من التشابه في تطور الآداب لا يقتضي حتماً وجود تأثير مباشر، لأن وجود التوجهات المتشابهة في الآداب القومية هو بحد ذاته شرط رئيسي لإمكانية قيام التأثيرات الأدبية الدولية.
2. ليس التأثير دفعة آلية من خارج أو دفعة بالمصادفة، وليس واقعة تجريبية في سيرة الحياة الذاتية لكاتب أو فئة من الكتاب، وليس نتيجة لتعارف بالمصادفة أو لولع بأنموذج أدبي دارج أو باتجاه أدبي. إن أي تأثير هو أمر خاضع للقوانين ومشروط اجتماعياً، ويحدد هذه المشروطية التطوّر الطبيعي القانوني في المجتمع المتأثر وفي أدبه، كما يحددها اتساق الأيديولوجية الاجتماعية مع قوانين السيرورة التاريخية العامة، وبتعبير آخر، كي يصبح التأثير ممكناً لا بد من أن تظهر الحاجة إلى الاستيراد الأيديولوجي، ولا بد أن يكون لدى أيديولوجي الطبقة الاجتماعية في البلد المستورد توجهات مشابهة إلى حد ما. وبالعودة إلى المثال الذي أثار اهتمامنا سابقاً، يمكن القول: إذا كان الاستيراد الثقافي من إنكلترا قد ساعد على تشكيل نوع أدبي جديد في فرنسا هو دراما البورجوازية الصغيرة أو الرواية العائلية في القرن الثامن عشر، فإن التوجهات نحو تشكيل هذا النوع يفترض أن تكون متوفرة في الأدب الفرنسي نفسه على قاعدة التطور الاجتماعي للبورجوازية الفرنسية وسعيها إلى تقرير مصيرها الأيديولوجي بذاتها.
3. إن أي تأثير أدبي مرتبط بتحويل اجتماعي للأنموذج المؤثر، أي: مرتبط بتكييف الأثر من خصوصيات التطور الاجتماعي ومع الاحتياجات المحلية التي يقتضيها واقع الطبقة الاجتماعية المتأثرة. وتعد مسألة وجوه الاختلاف وشروطها الاجتماعية مسألة لا تقل أهمية عن مسألة التشابه بالنسبة إلى مؤرخ الأدب الذي يدرس حالة ملموسة من حالات التأثير الأدبي” 4.
أهمية المدرسة السلافية
مهما كان الأمر فإن على المرء أن يتذكر، في معرض التقويم الإجمالي لتركة المدرسة السلافية، ويذكّر بإسهاماتها المهمة التي ربما كان أبرزها:
1. الخروج على الفلسفة الوضعية التي حكمت الطريقة الفرنسية في الدرس المقارن، وحوّلته إلى بحث تاريخي يقوم على العلاقة السببية، والدلائل الملموسة على الصلات بين الآداب القومية المختلفة التي جمعت بينها مقولة التأثير، واعتماد الفلسفة المادية الجدلية في النظر إلى مختلف الآداب القومية ضمن سياق أوسع من آداب العالم شرقه وغربه شماله وجنوبه. يكتب جيرمونسكي عن ضيق أفق علم الأدب البورجوازي الذي انتهى بمقاصد قومية خاطئة وضارة:
“إن الدراسة المقارنية للآداب والتفاعلات الأدبية الدولية التي لا تفهم بوصفها منهجاً بل بوصفها مجموعة من القضايا الإشكالية، يجب أن تشغل مكاناً ملائماً في علم الأدب الماركسي.
إن دراسة السيرورة الأدبية في عزلتها القومية وانغلاقها كانت توصل علم الأدب البورجوازي دائماً إلى أفق إقليمي ضيق ومقاصد قومية خاطئة وضارة، لذا يجب علينا انطلاقاً من الفهم الماركسي للتطور التاريخي أن ندرس الآداب القومية في سياق تطور الأدب العالمي المركب على اعتبار هذه الآداب أجزاء في سيرورة اجتماعية تاريخية واحدة في تطور البشرية مع الأخذ في الحسبان الخصوصيات القومية لكل أدب من الآداب ومن ثم التفاعلات الأدبية الدولية في سياق قوانينها وشروطها الاجتماعية” 5.
2. مناهضة نزعة المركزية الغربية التي سادت، ولا تزال سائدة في كثير من أوساط الدارسين المقارنين الغربيين، التفكير النظري الغربي والتفكير المنضوي تحت لوائه، والممارسات المقارنية الغربية سيادة تامة حتى عهد قريب.
ذلك أنه وعلى الرغم من تنوع مناهج الدرس المقارن للأدب في الغرب (الأوربي والأمريكي)، واختلافها فيما بينها في التركيز على هذا العنصر أو ذاك من عملية التفاعل الأدبي بين الأمم والشعوب، فإن ما يجمع ما بينها من جانب، ويميزها من جانب آخر عن غيرها من مناهج الدرس المقارن الأخرى خارج العالم الغربي، هو نزعتها الواضحة وضوح الشمس نحو التمركز المسرف حول الذات الغربية، أو ما بات يعرف بـ Euro-centrism.
صحيح أن هذه المناهج، أو المدارس، كما يحلو لبعض الدارسين أن ينعتها، تقرّ بدين الآداب الأوربية الحديثة للموروث الكلاسي (اليوناني والروماني)، والموروث الديني التوراتي (أسفار العهدين القديم والجديد)، ولكنها لا تحاول الخروج من دائرة الافتتان بالذات الأوربية بغرض تلمّس ديون أخرى لهذه الآداب واعتزازهم الأجوف بالتميز الأوربي الذي يكاد أن يبلغ درجة التعصب العنصري، البغيض إلى كل من يعمل في دوائر الدرس المقارن للأدب. ففضلاً عن دين الموروث الكلاسي في شقه اليوناني لحضارة الشرق القديم وحضارة مصر القديمة، ودينه في شقه الروماني لحضارات حوض المتوسط شماله وجنوبه وشرقه وغربه؛ ودين الموروث الديني إلى الشرق العربي مهد الديانتين اليهودية والمسيحية، ثمة دين أوربة عصر النهضة للحضارة العربية الوسيطة التي حفظت لأوربة موروثها الكلاسي وأغنته ونمّته وطورّته ومضت به أشواطاً بعيدة جعلت من العصور الوسطى عصوراً في غاية التألق والغنى والعطاء، ولم تكن في يوم عصوراً للظلمات إلا في أوربة التي استكانت لنسختها الخاصة التي ارتضتها لنفسها من الديانة الشرقية السامية ـ المسيحية التي تبنتها الإمبراطورية الرومانية وسهلت انتشارها في أوربة كلها.
وقد تجلّت هذه النزعة المحفوزة بالنظرة الدونية إلى سائر آداب العالم التي لم تكن لترقى في عيون المصابين بفيروس السلطان أو القوة إلى معارج الآداب الأوربية.
وهكذا اعتقد الأوروبيون:
* أن الشعوب “الإفريقية أو الآسيوية بوصفها “بدائية” أو “طفولية” 6 يمكن استبعاد آدابها وفنونها بطرق مختلفة دون أن يخامر المرء ـ أدنى شعور بالخسارة أو مجافاة شروط البحث العلمي؛
* وأن الثقافات الشفوية هي بالتأكيد كون الثقافات الأوربية الغربية المدوّنة، وهي لذلك تصلح للمتاحف والدراسات الأنتروبولوجية والدراسات التاريخية المتصلة بنشوء الإنسان وتطوره وارتقائه (كما هو الشأن في نظرة الأوربيين إلى الملاحم الشفوية)؛
* وأن الأجناس الأدبية التي لا تتفق والتصنيفات الأدبية الأوربية يمكن أن تهمل دون شعور كبير بالإثم ما دامت خارجة عن القانون الأدبي الغربي (كما هو الشأن في نظر الأوربيين إلى المقامة، أو الشعر الغنائي في الآداب الشرقية)؛
* وأن الأعمال الأدبية العظيمة في نظر الأمم والشعوب التي أنتجتها تقاس بما يسمى روائع الأدب الغربي وتنال من الدرجات بمقدار قربها أو بعدها من النماذج الغربية.
وكانت حصيلة هذه المظاهر العنصرية في جوهرها، والعابثة في موقفها، أن:
“بعض الآداب كان يساوي أقل من الآداب الأخرى، وبعضها كان فريداً في امتلاكه أهمية عالمية، وبعضها الآخر يمكن أن يهمل بوصفه بدائياً أو عادياً” 7.
ولذلك وجدنا أن المقارنين في القرن التاسع عشر بكامله “مضوا في إلحاحهم على أن المقارنة تكون على محور أفقي، أي بين الأنداد، وإحدى نتائج هذا المنظور ـ كما تلاحظ سوزان بازينت ـ أن باحثي الأدب المقارن، ومنذ البداية، مالوا إلى العمل مع الكتاب الأوربيين فقط”8.
ولهذا دعا جيرمونسكي ـ كبير منظري هذه المدرسة ـ إلى ضرورة توسيع دائرة البحث في الأدب المقارن بغرض الوصول إلى نتائج أكثر مصداقية، وحقائق أكثر رسوخاً وموضوعية. وهذه الدعوة تضعه على الطرف النقيض للدرس المقارن الغربي القائم على “المركزية الغربية” التي ينبغي أن ترفض ـ في رأيه ورأي الكثيرين من المؤمنين بالرسالة السامية للأدب المقارن ـ رفضاً قاطعاً، مستشهداً على ذلك بمقولة رائد الدرس المقارني الروسي فيسيلوفسكي الذي كان يعكس في عصره أفكاراً أكثر تقدمية في مجال علم الأدب من أفكار هردر وغيره:
“بقدر ما تكثر المقارنات والمقابلات وبقدر ما يكون ميدانها واسعاً، تكون النتائج أكثر رسوخاً”.
يكتب جيرمونسكي:
“وإذا كان علم الأدب في الغرب قد تخلى عن دراسة القضايا الواسعة والآفاق العريضة لتطور الأدب العالمي واتجه نحو التخصص الضيّق محدداً أطر بحثه داخل الحدود القومية، وفي أحسن الأحوال معتمداً على الأعمال الأوربية، فإننا في الاتحاد السوفياتي ذي القوميات، حيث تعيش شعوب الشرق والغرب في وحدة وتآخ، لتبني ثقافة جديدة “قومية في شكلها واشتراكية في محتواها” تسلّم تلقائياً بضرورة تناول مسائل التطور الأدبي من خلال الدراسات المقارنية ـ التاريخية الأرحب أفقاً، وضرورة أن نأخذ بعين الاعتبار اشتمال هذه الدراسات على الأعمال الأدبية الغربية والشرقية” 9.
ولم يكتف جيرمونسكي ورصفاؤه بالدعوة النظرية إلى توسيع آفاق الدرس المقارن ومناهضة النزعة المركزية الغربية، بل عمدوا في دراساتهم إلى تناول موضوعات طالما استبعدت من دائرة العمل المقارني الغربي الذي عُني أساساً بالآداب الحديثة 10، وخاضوا في مسائل تتصل بآداب الشرق ولا سيما الوسيطة منها، وآداب العصور الوسطى في أوربة وغيرها، وآداب أوربة الشرقية، وذلك إلى جانب اهتمامهم بالآداب الشعبية في شرق العالم وغربه. وكانوا بذلك منسجمين غاية الانسجام مع فهمهم لـ علم الأدب المقارن كما كانوا يفضلون أن يسموه، ذلك العلم الذي وصفه جيرمونسكي فقال:
“علم الأدب المقارن هو علم يدرس تطور الآداب القومية في إطار الأدب العالمي الذي يوحد الشرق والغرب، وهو ينطلق من وحدة السياق التاريخي لتطور آداب الشعوب، ومن حقيقة التفاعل الثقافي المستمر بين هذه الشعوب. وبعبارة أخرى، ينطلق من مبادئ الأخوة والتعاون بين الشعوب في مسيرة عملية التقدم والتطور التاريخيين فيما يخص القضايا الثقافية لا سيما الأدبية منها” 11.
الحواشي
1 ـ انظر:
In his: The Typological Study of Literure M.Khrapchenko,
The Writer ,s Creative Individuality and the Development of Literature
Progress publishers,Moscow, 1997),pp. 243 – 280.
2 ـ انظر: فيكتور مكسيموفيتش جيرمونسكي، علم الأدب المقارن: شرق وغرب، ترجمة وتقديم د. غسان مرتضى، ط1 (حمص، 2004م)، ص 11.
3 ـ انظر: المرجع نفسه، ص 15.
4 ـ انظر: المرجع نفسه، ص ص (264 ـ 265).
5 ـ انظر: المرجع نفسه، ص ص (271 ـ 272).
6 ـ انظر:
Susan Bassnett,
Comparative Literature: A Critical Introduction,
(Blackwell,Oxford, 1993),p.18.
7 ـ انظر: المرجع نفسه، ص 19.
8 ـ انظر: المرجع نفسه، ص 19.
9 ـ انظر: فيكتور مكسيموفيتش جيرمونسكي، علم الأدب المقارن: شرق وغرب، ص 50.
10 ـ انظر: المرجع نفسه، ص 122.
11 ـ انظر: المرجع نفسه، ص 50. وانظر كذلك بحثي جيرمونسكي: “آداب القرون الوسطى بوصفها مادة لعلم الأدب المقارن” و”علي شيرنوائي وقضية الرينيسانس في آداب الشرق”
في: علم الأدب المقارن: شرق وغرب، ص ص (122 ـ 144) و ص ص (145 ـ 162) على التوالي.